تقييم الموضوع:
  • 0 تصويت - 0 معدل التقييم
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
عرار يخدش حياء القصيدة
#1
عرار يخدش حياء القصيدة
****
بقلم: جلال الدين سالم.
أطلّ الشاعر عرار مصطفى وهبي التل على مشهد الشعر العربي الحديث بوصفه صوتًا فريدًا، لا يستقر في قالب، ولا يطمئن إلى مألوف، ولسانًا ينطق عن الفقراء والمهمشين.
كان شاعرًا يتنفس التمرد، ويحوّل قلقه الوجودي إلى إيقاع لغوي متوتر، تتداخل فيه السخرية مع الألم، والاحتجاج بالغناء،  ولذا ليس من السهل أن يُقرأ شاعر عرار ضمن سياق خطيّ للتطور الشعري العربي؛ فهو صوت منفلت من التصنيف، يتقدم على زمنه أحيانًا، ويتراجع عنه أحيانًا أخرى، لكنه في الحالتين يظلّ مشغولًا لا بتكريس الثابت، بل بخلخلته.
وإذا ما كان الشعر العربي الحديث قد ارتبط في وعيه العام ببدايات محددة لقصيدة التفعيلة، فمن خلال العودة إلى تجربة عرار نكشف عن طبقة أعمق من التاريخ الشعري، طبقة لم تنل حظها من الدرس، رغم ما انطوت عليه من إشارات مبكرة إلى تحوّل إيقاعي حاسم.
وهذا ما جعل من عرار حالة خاصة، إذ لم يتجلى تمرده في الموقف الفكري والاجتماعي فحسب، بل في بنية القصيدة ذاتها، حيث تتخلخل الأعمدة وتتشقق الأوزان، مفسحة المجال لإيقاع جديد يقترب مما سيُعرف لاحقًا بقصيدة التفعيلة.
قد ظلّ سؤال الريادة في كتابة قصيدة التفعيلة محورًا إشكاليًا في الخطاب النقدي العربي الحديث، إذ استأثر باهتمام الشعراء والنقّاد، وتصدّر موضوعات الندوات والملتقيات الأدبية، ولم يكن هذا الانشغال مجرد ترفٍ تنظيري، بل ارتبط بمحاولة تأصيل لحظة التحوّل في البنية الشعرية العربية، وتحديد الفاعل الأول في كسر نظام الشطرين وإرساء ملامح الشكل الجديد، الأمر الذي أفضى إلى تباين في الآراء وتعدد في الروايات حول البدايات الحقيقية لهذا النمط الشعري، وفي مفهوم الريادة وإشكالية التأصيل، يقتضي النظر النقدي الدقيق التمييز بين "الريادة" بوصفها فعلًا تأسيسيًا، و"السبق الزمني" بوصفه وقوعًا مبكرًا لظاهرة ما.
فالريادة، في معناها النقدي، لا تتحقق إلا حين تتحول التجربة الفردية إلى نموذج قابل للاحتذاء، يفضي إلى تشكّل تيار أدبي واضح المعالم.
وفي ضوء هذا التعريف، يمكن فهم الجدل الذي دار حول فكرة ريادة عرار في تجاربه لكتابة قصيدة التفعيلة مقارنة بنازك الملائكة والسياب.
فبينما تؤرخ نازك في كتابها قضايا الشعر المعاصر لبداية الشعر الحر من خلال قصيدتها «الكوليرا» (1947)، تشير شواهد نصية إلى أن عرار كتب نصوصًا قائمة على التفعيلة قبل ذلك بخمس سنوات على الأقل، غير أن هذا التقديم الزمني لا يكفي لإثبات الريادة، وهو ما يشكّل جوهر إشكال الريادة في تجربة عرار، حيث أنه لا بد من اعترافنا أن الفضل في ولادة هذا التيار الحداثي كمدرسة والتقعيد لها يرجع لشعراء كنازك الملائكة، والسياب، وبلند الحيدري.

وبالعودة للبنية الإيقاعية في شعر عرار، "من العمود إلى التفعيلة"، تكشف قراءة نصوص عرار عن وعي عميق بالبنية العروضية، يقابله ميل واضح إلى تفكيكها. فهو لم يكن شاعرًا جاهلًا بالعروض، بل مارس معظم بحوره، واستثمر إمكاناتها، قبل أن يشرع في خلخلتها من الداخل.
تتجلى هذه النزعة بوضوح في قصيدة «متى» (1942)، التي تمثل نصًا لافتًا في سياق التحولات الإيقاعية المبكرة في الشعر العربي الحديث. يقول فيها:

متى يا حلوةَ النظراتِ والبسماتِ والإيماءِ والخطرِ
متى أُملي على الآلامِ والحدثانِ والدهرِ
أحاديثَ الهوى العذري
متى
من لي بأن أدري
يُلاحظ أن الشاعر يتجاوز نظام البيت الخليلي القائم على شطرين متساويين، ليعتمد بنية سطرية متفاوتة الامتداد، تتوزع فيها الوحدات الإيقاعية على نحو غير منتظم، دون التزام بالقافية الموحدة أو الطول الثابت.
وعلى الرغم من أن الإيقاع العام يقترب من تكرار تفعيلة الرجز (مستفعلن) بصورها، إلا أن هذا التكرار لا يأتي بصيغة خليلية منتظمة صارمة، بل يتعرض لقدر من التخفيف والتغيير، بما يخرج النص عن الانضباط العروضي التقليدي والخروج بتراكيب شعرية جديدة.
وهذا ما يجعل هذا التفكيك الإيقاعي لا يبدو عفويًا محضًا، بل يكشف عن وعي مبكر بوظيفة التفعيلة بوصفها وحدة إيقاعية مرنة مستقلة، يمكن أن تتكرر خارج إطار البيت المغلق والتعديل عليها، وهو ما يضع هذا النص في سياق الإرهاصات الأولى التي مهدت—على نحو جزئي— لظهور قصيدة التفعيلة بصيغتها الناضجة لاحقًا.
ويتعزز هذا الاتجاه في قصيدة «يا حلوة النظرة»، حيث يقول:
يا حلوةَ النظرةِ
(مستفعلن/ فَعِلُن)
يا
(مس)- مدورة
حلوةَ التقطيبِ
(تفعلن / فعلان).
عرار لا يكتفي بهدم البناء الشكلي للنص، بل يكشف عنه صراحة، وهو ما يلامس الوعي البنيوي بالشكل الشعري لقصيدة التفعيلة، كما أن تتفكك البيت الشعري إلى وحدات قصيرة وتفعيلات مدورة، يتجاور الانتظام التقليدي للشعر الخليلي.
ففي هذا المقطع المنظوم على البحر البسيط ، لا يقف الأمر عند استخدام علة التذييل (زيادة حرف ساكن على ما آخره وتد مجموع في "فعلانْ") كإجراء عروضي معزول، بل تكمن القيمة النقدية في كيفية توظيف هذه العلة لإنهاء سطر شعري مستقل بذاته، وليس قفل شطر في بيت مدور تقليدي.
إن لجوء عرار إلى التذييل هنا، مع تقسيم التفعيلات على أسطر متفاوتة الطول، يشير إلى انتقال ذهني من الإيقاع الكمي الصارم الذي يحكمه البيت، إلى الإيقاع التفعيلي المرن.
فالتذييل هنا لم يعد مجرد حل عروضي لملء مجزوء البحر البسيط، بل استحال إلى أداة لتعميق النبرة الموسيقية في نهاية السطر، مما يمنح التفعيلة استقلالية تجعلها وحدة بناء قائمة بذاتها.
هذا الوعي المبكر بكيفية تطويع العلل العروضية لخدمة الدفقة الشعورية المنفلتة من القالب، هو ما يقرّب تجربة عرار من جوهر قصيدة التفعيلة، وإن ظل متمسكاً بخيوط رفيعة من النسيج الخليلي.
حيث أنه هنا و ، واستخدامه علّة التذييل  في (فَعْلَانْ)، والتي تعني زيادة حرف ساكن على ما آخره وتد مجموع، يظهر تمكنه الكبير،

أما في قصيدة «راهب الحانة»، فيتوسع هذا التفكيك ليشمل توزيع التفعيلات داخل السطر:
راهبُ الحانةِ إنّي
قيسُ لمياءَ دنانك
فمُرّ الأكوابَ
تُدني شفتي
من ثغرِ حانك

يُشكّل مقطع (راهب الحانة) تجسيداً حياً لما يمكن تسميته بـالوعي الموسيقي المتمرد عند عرار؛ ففي هذا النص، لم يعد الوزن قالبًا جاهزًا يُصبُّ فيه المعنى، بل استحال إلى كائن حي يتمدد وينكمش تبعاً للدفقة الشعورية.
وهو ما يطلق عليه الشاعر محمد سالم العمري مصطلح (الشثر)، قاصدًا الجمع ما بين القصيدة الخليلية وقصيدة النثر، فعرار ها هنا عمد إلى تفتيت بحر الرجز إلى وحدات سطرية متفاوتة تراوحت بين التفعيلة الكاملة والمجزوءة، مما يبرهن على أنهً قد تجاوز مبكراً مفهوم البيت المغلق نحو السطر المفتوح.
إن هذا الانتقال ليس مجرد تغيير شكلي، بل هو تحول جوهري في وظيفة الإيقاع؛ حيث تحول من إيقاع خارجي يفرضه العُرف الشعري، إلى إيقاع داخلي يمليه النبض النفسي وحركة الزفير والشهيق في تجربة الشاعر.
إن استباق عرار لرواد الحداثة في استخدام التفعيلة كوحدة بناء مستقلة في أربعينيات القرن الماضي، يجعل من تجربته حلقة مفقودة في تاريخ التحديث الشعري العربي، ويؤكد أن ريادته لم تكن مجرد صدفة فنية، بل كانت استشرافاً لوعي بنيوي جديد كسر قدسية النمط لصالح حرية التجربة.
يتضح هنا أن الإيقاع لم يعد محكومًا بالبنية التقليدية، بل أصبح تابعًا لتدفق المعنى والانفعال، وهو ما يشكّل انتقالًا واضحًا من وزن القصيدة إلى إيقاع التجربة.
أما فيما يتعلق بالتمرد بوصفه مبدأً جمالياً فلا يمكن فصل هذا التحول الإيقاعي عن البنية النفسية والفكرية لعرار، فالشاعر الذي تمرّد على السلطة، وناصر المهمشين، ورفض القيم السائدة، هو ذاته الذي تمرّد على الشكل الشعري، إن التمرد عند عرار ليس موقفًا خارجيًا فحسب، بل هو بنية داخلية تنعكس في اللغة والإيقاع.
لذلك، فإن خروجه على الوزن لا يبدو خيارًا تقنيًا، بل ضرورة جمالية تفرضها طبيعة التجربة، كما أن ميله إلى البحور الخفيفة، واعتماده على التشطير والتجزئة، يعكسان رغبة في كسر الإيقاع الرتيب، واستبداله بإيقاع أكثر توترًا ومرونة، وهذا ما يجعل نصوصه أقرب إلى حالة صوتية منها إلى بناء هندسي عروضي مغلق.

وبالسؤال عن حدود التجربة، فإننا نطرح سؤالًا نقديًا مشروعًا: لماذا لم تتحول إلى تيار شعري مؤثر ؟، ولماذا لم تُثمر هذه البذرة المبكرة عن حركة شعرية؟، على الرغم من هذه الأسبقية، لكن يمكن تفسير ذلك عبر مستويين:
أولاً المستوى الذاتي وهو أن عرار لم يكن منشغلًا بالتنظير، ولم يسعَ إلى تأصيل تجربته أو تعميمها، فقد جاء خروجه على الوزن استجابة لحالة شعورية، لا مشروعًا جماليًا واعيًا  بخلاف نازك الملائكة والسياب اللذان قدّما إطارًا نظريًا واضحًا، ناقش  شروط الشعر الحر وحدوده.
والمستوى الثاني هو المستوى الثقافي، فقد نشأت تجربة عرار في بيئة ثقافية محدودة التأثير، مقارنة بالحراك الشعري في العراق، حيث تفاعلت الصحافة والنقد مع حركة التجديد والشعر الحر، وأسهمت في انتشارها.
أما عرار، فقد بقي في هامش التلقي، ولم تثر نصوصه سجالًا نقديًا يوازي أهميتها، وهو ما أدى إلى تهميش دوره في السردية الشعرية العربية.

ولكن إعادة تقييم موقع عرار في تاريخ الشعر العربي، يحتم علينا إعادة قراءة تجربته الشعرية  وإعادة النظر في تاريخ قصيدة التفعيلة، لا بهدف إعادة توزيع الألقاب، بل لتوسيع أفق الفهم.
فعرار، في ضوء الشواهد النصية، لا يمكن تجاهله بوصفه مجرد شاعر تقليدي، بل هو أحد الأصوات التي لامست التحول الإيقاعي مبكرًا، وإذا لم يكن رائدًا بالمعنى التأسيسي، فإنه بلا شك سابقٌ دالّ، أسهم في تمهيد الطريق ولو دون وعي نظري مكتمل.

وفي الختام تكشف تجربة عرار عن مفارقة لافتة بوصفه شاعرًا سبق زمنه إيقاعيًا، لكنه لا يؤسس لتيار؛ يبتكر شكلًا جديدًا، لكنه لا يسميه؛ يكتب التفعيلة قبل أن تُعرّف، ثم يمضي دون أن يلتفت إلى ما أنجز.
إن هذه المفارقة لا تقلل من قيمة تجربته، بل تمنحها فرادة خاصة، تجعلها جديرة بإعادة القراءة، لا بوصفها هامشًا في تاريخ الشعر العربي، بل بوصفها لحظة مبكرة في تشكّل وعي إيقاعي جديد.
وبذلك، يظل عرار شاهدًا على أن التحولات الكبرى في الشعر لا تبدأ دائمًا من البيانات النظرية، بل قد تولد، في صمت، من قلب التجربة.
الرد


الانتقال السريع للمنتدى:


المستخدمون الذين يتصفحون الموضوع: 1 زائر